منتديات الفنون
[
عزيزي الزائر / عزيزتي الزائرة يرجي التكرم بتسجبل الدخول اذا كنت عضو معنا
او التسجيل ان لم تكن عضو وترغب في الانضمام الي اسرة المنتدي
سنتشرف بتسجيلك
شكرا
ادارة المنتدي


فنون بلا حدود
 
الرئيسيةالرئيسية  اليوميةاليومية  مكتبة الصورمكتبة الصور  س .و .جس .و .ج  بحـثبحـث  الأعضاءالأعضاء  المجموعاتالمجموعات  التسجيلالتسجيل  دخولدخول  

شاطر | 
 

 من الحياة

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
عصفور الجنة
المدير العام
المدير العام
avatar

عدد الرسائل : 136
نقاط : 165
تاريخ التسجيل : 20/12/2008

مُساهمةموضوع: من الحياة   الجمعة يونيو 25, 2010 4:57 pm



التصنيـف العـام > القصص والروايات
بيانات الكتاب ..

العنوان قصص من الحياة ..
المؤلف نوال بنت عبدالله
نبذة عن الكتاب

تاريخ الإضافة 23-3-1431
عدد القراء 4340
رابط القراءة << اضغط هنا >>
رابط التحميل << اضغط هنا >>


بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله حمداً طيباً مباركاً فيه كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه.
والصلاة والسلام على خير خلق الله ... على من اختاره ربنا واجتباه... وأحبه وارتضاه... وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه وبعد :
فإلى قرة العين.. ومهجة القلب.. إلى من تربطني بها رابطة الدين.. وتتوثق بيني وبينها عرى الإخاء المتين.
إليك أختي المسلمة أبعث رسالتي المتواضعة؛ علها تكون قبساً من نور يضئ لك الطريق.. وتكون نعم الرفيق.. إنها عبارة من نور يضئ لك الطريق... وتكون نعم الرفيق .. إنها عبارة عن مجموعة قصصية... والقصص جند من جنود الله يسخرها لمن يشاء من عباده؛ خاصة القصص ذات العظة والعبرة، فيكون لها الأثر الكبير في النفوس بإذن الله كما قال تعالى :فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ .
والقصة أسلوبها شيق وجذاب؛ لاسيما إذا استخدمت في الدعوة إلى الله ... أسأل الله أن ينفع بها كل من قرأها وأن يجعل هذا العمل الصالح خالصًا لوجهه الكريم، ولا أنسى أن أزف باقة شكر وعرفان لكل من ساهم معي في جمع شتات هذه الوريقات، جعلها الله في موازين حسناتنا يوم نلقاه.
1- ذكرى
في حضن والدي عشت سعيدة... أحببت هذه الحياة.. طفولتي كانت مرحة .. أيامي كانت سعيدة .. لقيت منها الحب والعطف والحنان .. فأنا ثمرة صبرهما وانتظارهما فترة طويلة ولم يرزقها غيري .. أغدق علي والدي جم حبه .. حتى أحببته أكثر من أمي .. كنت أنتظره بفارغ الصبر حتى يعود من عمله .. أقف أمام الباب أحس الدفء والحبور بلقائه .. إن غاب حزنت وتألمت لغيابه..
أبي كان إنسانًا كريمًا .. محافظاً على طاعة ربه .. لقد غرس في نفسي حب الخير وحب الله ورسوله .. كان شديد الحرص على أن أراه يفعل الخير .. وأسمع منه عبارات الشكر والثناء لله سبحانه وتعالى .. كم شجعني على الأعمال الصالحة وأنا في سن مبكرة.. أراه كثير الصلاة.. كثير الصيام.. كثير الذكر له .. صوته عذب شجي مؤثر في القرآن الكريم.. بل كان يبكي.. وحين أراه هكذا ينتابني الخوف.. فأهرب إلى أمي مسرعة وجلة... أسألها وبكل براءة: لم يبكي والدي؟ من الذي أغضبه؟ فتجيبني أمي بأن أباك يخاف الله.. ويخاف عقابه وناره.. لذا فهو يبكي من خشية الله.. ارتاحت بعدها نفسي.. واطمأن قلبي.. لم أنس دعوات والدي لي : ( اللهم فقهها في الدين وعلمها التأويل ). كان يسعده أن أكون داعية إلى الله .. عالمة بأمور ديني .. حافظة كتاب الله.. ما أكثر القصص التي كان يحدثني بها عن الرسول  وعن الأنبياء... والصحابة...
سافر والدي ذات يوم.. وكان الفراغ قاسياً وأقسى منه غياب أب ... استأذنت أمي لأذهب لمكتبة التسجيلات التي بجوار منزلنا لأشتري شريط قرآن لأنه أشار علي بحفظ سورة كريمة لها فضل عظيم.. عدت إلى البيت مسرورة فقد حصلت على الشريط، إنه للشيخ عبد الله خياط.. بحماس شديد استمعت إلى الآيات.. حاولت حفظها ومع التكرار وبمساعدة أمي الحبيبة.. حفظت الآيات.. عاد والدي من السفر ومعه نفائس الكتب والجديد من الأشرطة والقيم من الهدايا... لم أمهله حتى يستريح من السفر .. زففت إليه بشرى حفظي لتلك السورة .. إنها سورة الملك.. طلب مني أن أتلوها عليه .. قرأتها عليه .. رأيته خاشعًا منصتًا.. وعندما وصلت عند قوله تعالى : كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ سقطت دمعات من مقلتيه.
حاول إخفاءها ولم يستطع .. تأثرت ببكائه فبكيت .. آه ما أروعها من أيام .. ولحظات لا تنسى؛ لقد علمني والدي الكثير والكثير من الأخلاق والآداب الإسلامية .. علمني كيف أعمل بإحسان، وكيف أن الله يراقبني ويجازي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته بل ويعفو ويصفح .. كان دائمًا يقول لي أن الدنيا فانية .. وأن زينتها وبهجتها زائلة .. نشأت في بيت يشع بنور الإيمان أسرة محافظة شعارها الكتاب والسنة.. سارت الأيام عجلى.. دخلت المدرسة.. أخذت انهل من معين العلم الصافي.. أحبني الجميع... معلماتي.. زميلاتي.. أقاربي.. سلسلة من النجاح والتفوق.. وحقًا الدنيا لا تصفو لأحد.. إنها دار الابتلاء والمحن والمنغصات..
ذات يوم .. وكان يوم الجمعة يومًا مشهودًا.. كان والدي إمام المصلين وخطيبهم.. انتهى من خطبته وشرع في الصلاة.. سجد سجدة وكانت الأخيرة لم يقم بعدها.. اهتزت أركان المسجد حزنًا على من أحب الله ورسوله.. بكت من كان داعية إلى الله بلسانه وقلمه ونفسه.. فجع المصلون بوفاة هذا الرجل الصالح الذي لا أزكيه على الله والله حسيبه..
كانت الصدمة قوية عليَّ وعلى والدتي .. لقد رحل الحبيب..
فارق هذه الحياة .. رحمه الله وغفر له.. تذكرت في تلك اللحظات حَثَّه لي على الصبر والاحتساب.. حضر الكثير لتعزيتنا في الفقيد الغالي.. تقبل خالي العزاء من الرجال؛ أما أنا فتقبلت العزاء من النساء.
وعندما رأيت كثرة النساء وتجمُّعَهن تذكرت والدي وهو يخطب بالناس ويدعوهم إلى الله.. تذكرته وهو واقف على المنبر.. كان كلامه مؤثرًا ينفذ إلى القلوب فيؤثر فيها .. استجمعت قواي واستعنت بالله.. وتحدثت أمامهن عن نهاية كل إنسان وعن موته وحياته .. عن نعيم الجنة وعذاب النار.. بعدها أخذت أتلو آيات من القرآن حتى بكين تأثرًا .. هذه أول مرة ألقي فيها كلمة أمام مثل هذا الجمع.. عاد بعدها المعزون إلى بيوتهم وبقيت أنا وأمي وخالي.. معنا عدة شهور.. وذات يوم مررت من الغرفة التي يوجد بها أمي وخالي.. سمعت ودون قصد.. الحوار الذي دار بينهما.
فكري يا أختي.. فما زلت في عز شبابك... وقد ترزقين منه الذرية الصالحة... ومن الصعب أن تمكثي أنت وابنتك هنا بمفردكما .. وهو رجل صالح فيه خير كثير..
يا أخي عش معنا... لا أريد زوجًا... لا أريد بيتًا غير هذا لن يخرجك أحد من بيتك.. فعندما تتزوجين سيسكن معك أنت وابنتك هنا في هذا البيت.
لحظتها بكت أمي بحرقة.. تذكرت الماضي السعيد والحاضر المجهول .. إنها ترفض هذه الفكرة من أساسها فجرحها في فقدان أبي مازال طريًا ينزف.
أخذ خالي يلح عليها وأمي ترفض؛ مما أدى إلى غضبه فتركنا وسافر... مرت الأيام وكأنها سنين.. خيم علينا شبح الخوف والحزن والوحدة..
ذات يوم وأنا عائدة من المدرسة.. إذ بأشخاص عند أمي.. إنهم أخوالي .. جاؤوا ليضغطوا على أمي ويرغموها على الزواج.. وفعلاً حدث كل ما توقعته.. وافقت مرغمة لكنها استمهلتهم كي تستعد.. كنت أبكي بحرقة أصبر نفسي وأواسيها.. أتجرع الغصص والآلام ولا أظهر لها ذلك.. لا أريد أن أحزنها.. ولا أريد أن أكون أنانية..
أتساءل: من هذا الذي سيحل مكان والدي الحبيب؟..
بعد لقاء أمي بأهلها ولشدة ما عانت منهم مرضت.. استدعيت لها الطبيبة.. أشارت عليَّ أن أهتم بها وبغذائها وأن تأخذ الدواء في مواعيده.. وطلبت مني أمرًا غريبًا .. فهي تعرف حالنا وظروفنا التي نمر بها.. طلبت مني أن تبتعد أمي عن غرفتها فإن رفضت فيلزمني أن أغير ما بها أو أن تغير الغرفة.. وافقت الوالدة على أن تنتقل إلى غرفتي وحملت لها ما تحتاج إليه.. وفي زاوية من غرفتها وجدت شريطًا قديمًا لا أعلم ما به وما يحويه.. ولكن شكله قديم أثار فضولي.. قمت بتشغيله.. لقد فوجئت بما يحتويه الشريط.. إنه عبارة عن نصائح وكلمات من والدي..
يقولها لزهرة حياته وفلذة كبده وشمس يومه وربيع عمره ابنته.. إنه يوصيني.. كان عمري آنذاك سبع سنوات حسبما فهمت من والدي.. وبعد نقاش تلا آيات من الذكر الحكيم ثم أنشودة للصغار أنشدتُها لأمي ولأبي الذي (أحبه وأشتاق إليه وأسأل الله أن يجمعني به في مستقر رحمته) .. لست أدري ما الذي جعلني أرفع صوت والدي وهو يتلو آيات الله.. أخذت أجهش بالبكاء وأنا أستمع إليه.. إنه صوت الحق يعلو.. يملأ أرجاء المنزل.. كانت أمي تسترق السمع.. لقد نهضت من سريرها وهي متعبة.. مرهقة.. وصلت إليَّ وهي باكية.. صرخت .. ابنتي! لن أتزوج غير أبيك.. نعم لن أتزوج غيره.. مهما كانت النتيجة..
دخلت الجامعة.. كلية الشريعة.. نجحت وبتفوق بفضل من الله.. دائمًا كنت أتذكر دعاء أبي لي: (اللهم فقهها في الدين).
عاد أخوالي مرة أخرى إلينا ليُرْجِعوا لها الموضوع الأول: تزوجي؛ الرجل صالح.. وهو يريدك.. لن تجدي أفضل منه.. تزوجي فالناس يتكلمون.. ابنتك سوف تتركك وحيدة بعد أن تتزوج.. ألقوا إليها بآخر وسيلة لديهم.. سنغضب عليك ونقاطعك إذا لم توافقي عليه.. أخيرًا أذعنت أمي لكلام إخوانها..
وأخيرًا جاء الزوج الذي كان يلبس ثوب الصلاح والكرم والجود وهو على خلاف ذلك.. حقيقة أقولها .. لا أدري كيف خدع به الجميع؟.. كيف يكون هذا الإنسان بديلاً عن والدي؟.. كيف سيحل محله؟.. لقد شربت أنا وأمي من إناء واحد حلو المذاق.. إنه حب وشهامة ووفاء والدي.. وها نحن ذا نتجرع كأس البؤس.. كأس يبتلي عباده.. فإما صبر وشكر وإما جحود وتراض.. ونحن والحمد لله رضينا بقضاء الله وقدره.
زوج والدتي كان قاسيًا في أوامره.. جارحًا في كلامه.. مؤذيًا في أعماله.. عصبيًا في تصرفاته.. يسمع الأغاني.. يخرج للسفر إلى الخارج.. لقد طغى وتكبر..
إننا نتأمل الخير والفرج مع إشراقة شمس كل يوم.. ندعو الله أن يصلح باله وينير بصيرته للحق.. ويهدي قلبه..
أمي حائرة لا تدري ماذا تفعل.. أصبرها وأصبر نفسي .. أذكرها بأن الدنيا فانية.. وأنا راحلون عنها.. وفي ليلة لا تنسى.. سهر زوج أمي أمام ما يسمي بالدش.. ذلك الفساد والدمار ( بعد أن أدخله بيتنا) .. رافعًا صوته.. ذلك الصوت الصاخب المزعج.. بمناظر مخزية فاضحة.. حاولت أن أسد أذني.. لم أستطع.. أخذت أستمع لصوت ذلك القارئ الشيخ عبد الله خياط أسترجع تلك الأيام الرائعة في ظل والدي يرحمه الله.. يوم اشتريت هذا الشريط لأحفظ سورة الملك كما أشار علي أبي الحبيب.. رفعت الصوت.. حتى لا أسمع غيره.. قلت في نفسي لعل الله يهديه.. عندما سمع القرآن.. غضب.. ثار.. أقام الدنيا لهول المصيبة التي ارتكبتها.. كل ذلك لأنه سمع القرآن؛ لقد تحجر قلبه.. توجه مسرعًا إلى غرفتي.. فتح الباب ودون استئذان.. متهجمًا ليصفعني.. لم أبك.. لكنني تألمت.. خفضت صوت القرآن.. ذلك الصوت الذي كان يتردد صداه في منزلنا.. هتف هاتف أن توضئي.. وصلي لله ركعتين.. أما هو خرج من غرفتي ليكمل مشاهدته فرحًا مغتبطًا بما قام به.. وكأنه حقق انتصارًا عظيمًا.. لكن ما أغاظه وكدر صفوه هو أنه عندما رآني أخرج للوضوء ويعني ذلك أنني سأصلي.. استغرب! .. سأل نفسه لِمَ لم تبك؟.. لِمَ لم تحس؟.. لِمَ لم تتألم؟ .. من أين لها هذا الصبر؟.. ما هذه القوة التي تحملها فتاة في مثل سنها؟.. لِمَ هي أفضل مني؟ .. ترى أهذا من والدتها أم أنه من والدها؟.. ولكن حدث غريب حصل في تلك الليلة؛ وهو أن زوج أمي قام بإغلاق ذلك الفساد .. وذهب إلى فراشة مبكرًا على غير عادته.
مثل هذه الأحداث لم تؤثر على تحصيلي الدراسي.. فقد نجحت وبتفوق ولله الحمد.. لم يفرح لي أحد من أقاربي سوى أمي الحنون التي تعيش لإسعادي وطلب رضاي.. أما زوج أمي فقد زاد عتوه وجبروته... يدخل المنزل بصراخ.. ويخرج بسب وشتم .. أصبحت الحياة معه لا تطاق .. احتارت أمي معه.. تسأل الله إما هدايته أو فراقه..
ويقدر الله .. والقدر سر الله في خلقه .. أن يصيبه مرض يلزمه الفراش.. فلا يستطيع الكلام ولا الحراك.. تكثر المكالمات..والاتصالات.. لكن لا جواب.. رجل عليل مريض بحاجة إلى صديق يواسيه.. أخ يسانده يقف بجانبه.. يحتاج إلى عطف.. حنان.. زملاء السهر تخلوا عنه؛ فهم لا يعرفون سوى المادة.. لم يزره أحد منهم.. جاء دوري.. وقفت معه في شدته.. أخذت أخفف عنه ألمه وأمسح عنه دمعاته.. أعطيته الدواء في مواعيده.. لقد علمني والدي أن أدفع السيئة بالحسنة.. نسيت كل معاملته لي.. الوقت ليس لتصفية الحسابات.. ما مضى انقضى.. أنا أريد أن أكسبه.. فهذا مجال دعوة واحتساب أجر.. كان يرمقني بعينه ولا يستطيع تفسير سر اهتمامي به.. مرت الأيام.. كنت أعود من الجامعة.. أتوجه إليه مباشرة.. أسأل أمي عن أحواله.. أحيانًا كنت أراجع دروسي عنده.. الوالدة كانت متعبة؛ فهي تلازمه فترة غيابي وطوال الليل.. وذات يوم وأنا عنده.. إذ به يناديني باسمي.. مد يده إلي.. فرحت عندما سمعت صوته.. استدعيت أمي.. وأسرعت إليه.. أمسكت بيده.. ذرفت الدموع من عينيه.. وجَّه الكلام لي : سامحيني يا ابنتي.. اصفحي عن كل ما بدر مني .. لقد قسوت عليك كثيرًا.. يجهش بالبكاء.. أرجوك يا ابنتي سامحيني.. لقد كنت أفضل مني.
يا رب سامحني.. يا رب تب علي.. على تقصيري في حقك.. اللهم إني أعلنها توبة صادقة إليك.. أصابتني الدهشة والفرح وأنا أسمع كلامه.. لحظتها سجدت لله شكرًا.
قلت له: لقد عفوت عنك.. وأسأل الله أن يغفر لك ويتقبل توبتك. تحسنت أحواله.. ومع مرور الأيام.. أشياء كثيرة تغيرت في حياتنا بعد أن تماثل زوج أمي للشفاء.. لقد عاد منزلنا كما كان في عهد والدي يرحمه الله .. بين يشع بنور الإيمان .. ويرتل في أرجائه آيات القرآن.. ولله الفضل أولاً وأخيرًا.

2- الرحيل
اقتربت مني مبادرة بإلقاء التحية.. مدت يدها قائلة: تفضلي، هذا شريط قيم عن بداية العام الجديد.. اسأل الله أن ينفعك به.
أخذته وكلي دهشة من موقفها الجذاب الذي ملك وأسر لساني.. قررت أن أستمع للشريط وبمجرد وصولي إلى المنزل.. دارت رحى الأيام وأنا أمني نفسي بسماع ذلك الشريط.. ولكثرة انغماسي في الأمور التافهة غفلت عنه..
أخبرتنا الوالدة أن زفاف إحدى قريباتي في منتصف العام وأن أختي ستضع مولودها الأول في عيد الفطر.. وسوف نسافر لقضاء صيف منعش في الإجازة.. حسبت الفارق الزمني بيني وبين تلك الأحداث التي علمت موعدها فإذا هو بعيد في ورقة التقويم قريب في الذهن والخاطر.. فكل يوم أتخيل فرحتي بتلك الأحداث، وكيف سأتقبلها.. لكنني كنت ساذجة.. نعم ساذجة؛ إذ أنني في كل يوم كنت أتولى تمزيق ورقة التاريخ الهجري في التقويم بفرح وشغف وغفلة عن أنه من عمري..
استبشرت بقرب الموعد.. وفي لفيفي هواجس وخواطر.. وأفكار تراودني..ولكن سرعان ما أتلافاها.. أحاول الانشغال بأي شئ ريثما تمر الأيام.. كيف بابنة خالتي التي اقترب موعد زفافها.. إذ كنت أنا أشد شوقًا لذلك اليوم منها.. كنت أتحدث معها.. وكانت تجاذبني أطراف الحديث.. كانت حريصة على وقتها.. كثيرًا ما نصحتني بأن أستغل لحظات عمري فيما ينفعني.. حذرتني من ضياع الوقت فيما لا ينفع لكنني لم أهتم بكلامها..
وذات يوم وصلتني رسالة ومعها كتيبات إسلامية مكتوب في الرسالة: ( من كمال إيمان العبد محاسبته لنفسه في كل حين.. واستغلال وقته؛ فالعمر يمضي والعمل يبقى.. ولا تنشغلي بالدنيا فعمار دار الآخرة أحرى وأولى). التوقيع : ناصحة.
قرأتها مرة .. مرتين.. محاولة معرفة الكاتبة؛ لكنني لم أعرفها.. همهمت في نفسي؛ أتكون هي؟ ربما هي.. كم حثتنا على ذلك... تركت الرسالة جنبًا لم أبال بها كثيراً.. فأنا مشغولة بالفستان الجديد الذي سأحضر به الزواج.. محتارة في نوعيه تسريحة شعري.. أريد أن أحظى بإعجاب الجميع.
مرت الأيام والساعات.. تم زفاف ابنة خالتي على خير وبركة.. وبعد فترة وجيزة من زواجها وصلنا نبأ سار عن ابنة خالتي.. وصديقة عمري .. من شاطرتني همومي.. إنها ستصبح أمًا بعد عدة شهور.. كدت أطير فرحًا عند سماعي لهذا الخبر.. اتصلت عليها لأهنئها بذلك.. وعدتني إن رزقت ببنية أن تسميها باسمي.. أخذت خالتي تحدثها عما ستفعله مع مولودها الأول وما ستقوم به.
حانت ساعة الوضع.. والخروج.. ولكن يا ترى من الخارج حقيقة أهو المولود أم....
وضعت ابنة خالتي جنينها.. ضغطت بقوة على يد أمها التي كانت بجوارها.. أماه سامحيني.. الآن عرفت حقك أكثر.. أرجوك.. ابني هو ابنك.. أَسْميه عمرًا.. وأحسني تربيته.. عوديه على حب الله ورسوله.. وأشهد أن لا إله إلا الله .. وأشهد أن محمدًا رسول الله.
أخذت الأم تصرخ.. فاطمة.. فاطمة.. يا طبيبة؛ أدركيني.. ما بها؟ ....
الطبيبة: لا حول ولا قوة إلا بالله على قضاء الله وقدره.. اصبري واحتسبي.. لقد فارقت الحياة..
في الصباح تقبل الأهل والأقارب التعازي في فقد عروسهم.. ودعوها بقلوب حزينة.. راضين بقضاء الله وقدره.
أما أنا فعندما وصلني نبأ وفاتها.. سَرَتْ رعشة في جسدي.. خوف رهيب.. أخذت أردد في ذهول.. غرفتها.. إنها هي.. لطالما حدثتني بذلك.. لقد كانت دائمًا تنصحني بوجوب الاستعداد للرحيل.. إنها هي كاتبة الرسالة.. نعم هي.. إي والله.. أفقت من غفلتي .. أخذت أبكي بحرقة على من كانت لي الأخت المشفقة الناصحة.. بكيت على من وقفت معي دائمًا في جميع أموري.. كانت مقربة إلى نفسي..
وفي أثناء ذلك وقع بصري على الشريط الذي أهدته لي أول السنة.. وكان بعنوان ( كيف نستقبل عامًا جديدًا؟) يا لله.. من يصدق؟! عام كامل انقضى والأماني تراودني.. وأنا لم أستمع للشريط.. انشغلت بالتوافه من الأمور.. لقد أسرفت على نفسي كثيراً.
قلت لنفسي: كيف ستستقبل هي أول أيام الآخرة؟! ماذا لو كنت أنا مكانها وأنا في غفلة وفي لهو؟! رحمك الله يا فاطمة.. لطالما رددت على مسامعي: استعدي ليوم الرحيل.. وها أنت ذا قد سرت في قوافل الراحلين.

3- الأمل المشرق
كدت أطير فرحًا عندما هاتفتني؛ فمنذ زمن بعيد لا أعلم عنها شيئًا.. أخذت أسألها عن أحوالها وأخبارها وكلي شوق لما تقول.. كانت الصدمة عندما شعرت بتغير في نبرة صوتها.. وبالغصة في حلقها وهي تقول: أخباري.. أخباري يا صديقتي لا تسر أحدًا.
سألتها: لماذا؟ ما الذي حدث؟
( وكأني بسؤالي هذا وضعت يدي على جرح كبير لم يلتئم بعد..) أخذت تسرد لي قصة معاناتها..
قالت : تم عقد قراني على أحد أقاربي.. أحضره أبي الذي لم نره ولم نسمع صوته منذ أن طلق أمي وأخرجنا معها في قارعة الطريق لا نملك شيئًا.. رأيت أبي أخيرًا عندما جاء بهذا العريس ومعه مأذون الأنكحة والشهود.. ودون أن يستشيرني همس في أذني كلمة تهديد ووعيد.. إن لم توافقي عليه غضبت عليه وحرمتك من الميراث.. لم أجد بدًا من الموافقة مرغمة.. فما حصل من أبي يكفي.. أتصدقين؟ حتى حقي الشرعي وهو مهري لم أر منه ريالاً واحدًا؛ لقد أخذه كله وأرسلني إلى بيت الزوجية هكذا بلا جهاز.. لقد كرهني زوجي بسبب هذه المعاملة القاسية من والدي.. أصبح يهينني ليل نهار.. بل ذكرني بما فعل أبي لي وعدم مبالاته لي في ليلة العمر.. سكنت مع أهل زوجي؛ لقد وجدت منهم الويلات؛ خاصة أخوات زوجي.. وجدت الذل والاحتقار.. مرت الشهور وأنا أعاني المر منهم والأمرَّ منه.. أوطن نفسي على الصبر؛ لا أريد أن يكون مصيري كمصير أمي المطلقة.
وذات يوم جاء زوجي.. وكلمني بلطف على غير المعتاد..
ما رأيك لو تزورين أهلك؟.. أظن أنك اشتقت لهم؛ لم أصدق ما سمعته.. أكد لي صدق كلامه وأخرج التذاكر.. لقد حجز لي فعلاً..كدت أطير فرحًا.. وجدت أن السعادة تفتح أبوابها لي بعد ليالي القهر والحزن والألم.. أعددت حقيبة السفر.. طرت إلى أمي وقلبي مفعم بالفرح والسرور فقد مر على زواجي أربعة أشهر وأنا لم أرها.. استقبلتني أمي بفرح غامر.. لم تصدق عينيها وهي تراني..
ودعني زوجي قائلاً: ( سأحادثك بالهاتف في وقت لاحق.. استغلي كل لحظة مع أمك وأخواتك.. لا تنسي ذلك). كانت هذه الكلمات آخر ما سمعته منه..
مرت الأيام .. والأسابيع .. زوجي لم يكلمني.. ماذا به؟ .. هل حدث له مكروه؟ لقد قلقت عليه.. أمسكت سماعه الهاتف لأسأل عنه. ردت علي أخت زوجي.. ( وحين عرفت صوتي).. صرخت في وجهي.. نعم .. ماذا تريدين..؟؟ أجبتها:
أريد أن أسأل عنكم وعن..
قاطعتني وبلهجة حادة.. اسمعيني جيدًا ..بصراحة زوجك لا يريدك.. ولا يريد أن يسمع صوتك.. والويل لك إن حاولت الاتصال على هذا البيت مرة أخرى.. ثم أغلقت السامعة..
لم أعِِ ما سمعت.. لم أصدق كلامها..
ماذا حصل مني حتى يعاملوني هكذا؟.. أنا الصابرة على أذاهم .. المتحملة إهانتهم.. لماذا يفعلون معي كل هذا؟ أخذت أبكي بحرقة وألم.. رأيت أن الدنيا تغلق في وجهي من جديد.. دوامة من التفكير المستمر.. شعرت بالأرض تميد بي.. وفجأة سقطت من الهم والحزن.. سقطت مغمى علي.. لم أع بنفسي إلا والطبيبة أمامي.. وأمي بجواري قد اعتراها الخوف والحزن عليَّ.. وجهت الطبيبة الكلام لي: لا ترهقي نفسك.. واتركي التفكير جانبًا.. حافظي على صحتك حتى يسلم الجنين.
ذهلت.. ماذا؟.. هل أنا..؟!
نعم.. أهم شئ الغذاء الجيد والراحة التامة... عادت لي الأفكار من جديد.. كادت الهموم تعصف بي.. ما مصير هذا الجنين إن كتب الله له الحياة؟.. كيف سيكون وقع الخبر على زوجي وأهله؟.. هل سيفرحون به؟.. قطع حبل أفكاري صوت أمي الحنون: لا تقلقي يا ابنتي.. ييسر الله أمرك.. وكأنها عرفت ما يجول في خاطري.. بُنيتي.. ما رأيك لو تخبرين زوجك هذا النبأ السار.. لعله يحن عليك ويعود إلى رشده؟
فكرت في كلام أمي.. قد تكون محقة.. لماذا لا أجرب؟.. وفعلاً أمسكت سماعة الهاتف.. اتصلت على زوجي في محل عمله.. رد علي.. سألت: أحمد موجود.
نعم .. أنا هو..
ألم تعرفني؟.. أنا زوجتك.. أنا هدى..
رد قائلاً: أنا لا أعرف أحدًا بهذا الاسم.
أرجوك اسمعني.. أنا حامـ...
لم يمهلني لأكمل كلامي.. فقال: اسمعي.. هذا المكان محترم؛ لا تتصلي عليه مرة أخري.. انسي أن لك زوجًا هنا.. مفهوم.. ويغلق سماعة الهاتف في وجهي.. احتضنتني أمي بعد أن أجهشت بالبكاء.. شعرت أنني سأنهار..
زادت آهاتي وآلامي وأنا أتجرع مأساة لا ذنب لي فيها.. مرت الشهور وكأنها دهور.. لم يفتني يوم إلا وأنا أبكي بحرقة وألم.. أتساءل ماذا جنيت؟ .. وما هي جريمتي؟.. صدقيني يا صديقتي لم أفعل في حقهم شيئًا حتى يعاملوني هكذا؛ قد يكون ابتلاء.. نعم ربما.. هكذا كنت أناجي نفسي على الدوام.. لقد كرهت زوجي.. كرهت الذي في أحشائي بسببه.. كان والدي لا يريد أن يتدخل في أي أمر يخصني.. وهو الذي أوقعني بهذا الإنسان اللامسؤول.. أخي صغير وليس لي قريب أحمله مشكلاتي.. الكل من حولي تخلى عني.. وليتني سلمت من ألسنتهم.. أخذوا يوجهون أصابع الاتهام لي.. وأنني أستحق كل ما أصابني.. وصلت الشهر الأخير..
ومن في مثل حالتي تستعد لحمل لقب أم.. أما أنا فتمنيت لو يقبضني الله إليه.. لقد زاد من أحزاني وهمومي حال أمي المسكينة التي تجرعت الكثير والكثير من أبي سامحه الله.. وها هي الآن تتألم لآلامي..
جاءت اللحظة الحاسمة.. سمعت صرخاتها تملأ المكان.. إنه صوت ابنتي الصغيرة.. لا أدري.. شعور غريب انتابني تلك اللحظات بعد أن حملتها بين يدي.. أخذت أبكي.. ولا أحد يعلم ما بي.. خشيت أن ينتزعها أحد مني.. لقد انقلب كرهي لها إلى حب لا أستطيع وصفه.. وقيامًا بالواجب اتصلت أمي بأهل زوجي لتخبرهم بولادتي لعلهم يتغيرون؛ لكنهم لم يبالوا؛ وكأن الأمر لا يعنيهم..
حينها نظرت إلى صغيرتي.. تأملتها جيدًا وقلت لأمي: لقد قررت أن أسميها أمل.. نعم أمل؛ لا أريد أن يدخل اليأس في قلبي.. فلا يأس مع الحياة.. ولا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون.. لقد رأيت في عيني ابنتي الأمل المشرق... والمستقبل المضيء.. يكفيني احتساب الأجر في تربيتها؛ فكل شئ بأجره.. سأربيها تربية حسنة...سأنشئها على الأخلاق القويمة.. هذا إن كتب الله لي حياة لا أريدها أن تتجرع من الكأس المر الذي شربته أنا وأمي.. لابد من التفاؤل.. نعم .. كم سنمكث في هذه الحياة.. ثم يأتي الحساب والجزاء.. أما زوجي وأهله فإني أوكل أمرهم إلى الله.. أسأل الله أن يأخذ حقي منهم آجلاً أم عاجلاً..
كانت أمي تسمع كلامي هذا وتؤيدني عليه... كم حثتني على الصبر.. كم ذكرتني ما للصابرين من الأجر.. كم خففت عني أحزاني وآلامي وهي نفسها من تحتاج إلى ذلك.. جزاك الله خيرًا يا أمي وعوضك عن صبرك خيرًا.
أما موقفي من زوجي وأهله فقد أعلنتها قوية مدوية.. أمي! لا أريده.. كفاني ما تجرعته من ذل وهوان.. أمي! لا أريد إلا الطلاق.. نعم الطلاق..
لجأت وحدي إلى المكان الذي لم أكن أريد اللجوء إليه... لجأت إلى المحكمة.. ارفع قضيتي وأشكو كرامتي التي هدرت.. أشكو مأساة تجرعتها لا أدري ما جريرتي بها.. كتبت معاناتي إلى القاضي لعله ينظر في أمري.. حصلت بيننا جلسات وجلسات.. وبعد أن أخذوا مني راحتي واستقراري وهدوئي.. رمى علي كلمة الطلاق التي كنت أكرهها.. نعم أصبحت مطلقة لكن بقيت لي قرة عيني ومهجة قلبي وسعادة نفسي.. بقيت لي الحبيبة أمل.. والحمد لله على كل حال....
4- رسالة مؤلمة
نظرت إليها.. تأملتها جيدًا.. لقد أعدت قراءتها أكثر من مرة.. أدهشني ما تحمله بين طياتها.. إنها رسالة كتبت بمداد الآهات والأحزان... حبرها الدموع.. وعبراتها سكبت من جوف محترق مكلوم... رسالة فتاة تجرعت الشدة والقسوة والإهانة من أرقب الناس لها.. تجرعت الويلات من والدها رمز العطف والحنان.. وعجبًا حين تتحول العاطفة الأبوية إلى جمر يتلظى.. عجبًا حينما يتحول الحنان والحب النابعان من قلب الوالدين إلى كره وحقد.. ولأجل ماذا.. لأجل نزوات وشهوات وأهواء.. إنني أتحدث عن أب تحطمت فيه جميع معاني الأبوة والعطف.. رجل تأثر ببريق الغرب الخادع فانجرف خلف تياراتهم واغتر بهم وبعاداتهم.. لم يأخذ من تعاليم الإسلام إلا اسمه.. حتى بناته لم يسلمن من أفكاره الهدامة.. أخذ يعلمهن لبس القصير والخليع.. علمهن كيف يجلسن ويمازحن زملاءه في العمل عندما يزورونه في البيت على الرغم من أنه ابن مجتمع يمنع هذه العادات؛ لكنه رمى بتعاليم دينه ومجتمعه خلف ظهره.. وانساق وراء نزواته.. إنه كلام ابنته التي أرسلت برسالتها المؤلمة... ابنته التي أنقذها الله مما كانت عليه من ضلال وغواية.. فقد تأثرت بصحبة طيبة في المدرسة.. لقد اكتشفت بطلان أفكار والدها.
سمعتْ عن آباء يحرصون على تربية أبنائهم تربية ضالة مستقيمة أما والدها فعلى العكس تماماً.. يدفع بأبنائه إلى الهاوية.. يدفع ببناته إلى الخزي والعار ولا يبالي.. حينها بكت حرقة وأسى من تصرفات قدوتها... تذكرت كل درس كان يلقنها والدها إياه.. تذكرت أنه كان يصف الحجاب بالتخلف والكبت.. تذكرتْ أنه لم يأمرهن مرة واحدة بالصلاة؛ لأنه لم يكن أصلاً يؤديها.. تذكرت عندما كان يحثهم على الاختلاط بأولاد أعمامها وكيف تكون جريئة في مخاطبة الرجال دون وازع من دين أو حياء.. تذكرتْ ذلك كله وقررت بكل عزم أن تصحح هذه الأخطاء التي جنتها يدا أبيها في تربيتهن.. ولعل الله أن يهديه إلى الصواب.. بدأت بنفسها والتزمت الحجاب.. أخذت تحافظ على الصلاة.. وأخذت تنصح أخواتها وتوجههن إلى الحق.. وعندما علم الأب بذلك جن جنونه.. أخذ يعارض ابنته بل ويحاربها في جميع تصرفاتها.. لكنها ثبتت ثبات الجبال الراسيات.. أخذ والدها يستخدم معها جميع الوسائل التعذيبية حتى تعود إلى رشدها ( كما يزعم).. حاول أن يثنيها عن تصرفاتها.. ولكنه الإيمان إذا خالط بشاشة القلوب فإنه يأبى غيره.. أخذ يهددها تارة.. ويضربها تارة أخري.. ويهجرها مرات عديدة.. منعها من الذهاب إلى المدرسة أو حتى مجالسة أخواتها.. لأنها وكما يقول: لم تعد منهم.. فاعتزلتهم.. أصبحت حبيسة غرفتها وكتاب الله أنيسها وسنة رسول الله جليسها.. تناجي مولاها أن يهدي والدها وأهلها أجمعين.. ولكن إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ.. فعندما رأى والدها رباطة جأشها وثباتها وصبرها لم يجد سوى حل واحد.. استدعاها.. مثلت أمامه غاضة الطرف.. غضيضة الصوت.. فألقى إليها بآخر وسيلة لديه.. إذا لم تعودي كما كنت وكحال أخوتك وتتركي عنك الوساوس (يقصد التمسك بأوامر الله).. فسوف أطلق أمك.. نعم أطلق أمك.. نزلت هذه الكلمات كالصاعقة على رأسها الصغير.. سقطت بين يدي أبيها باكية.. كالطفلة التائهة التي تبحث عن جرعة حنان أو عطف أو حتى شفقة.. تنظر إلى والدها وعيناها ملأى بالدموع.. قلبها يتفطر حزنًا وألماً من موقف أبيها العدائي.. واجتمعت عليها هموم كثيرة.. ها هي والدتها تتوسل إليها أن تنفذ كل ما يطلبه منها والدها.. أخذت تتضرع لها أن لا تهدم بيتها ولا تفرقها عن أبنائها.. أخواتها من جانب ثالث يهددنها ويتوعدنها.. فهذه تصفها بالتخلف والرجعية والأخرى تحملها المسؤولية كاملة إذا حدث للبيت شئ، قامت من مجلسها ذاك وقد أنهكها الهم والحزن.. وتجمعت عليها الآلام من كل حدب وصوب.. رمقت الجميع بنظرة الأسى لحالهم وتصرفاتهم.. عادت إلى غرفتها وهي تفكر وفيما طرحه عليها والدها.. شعرت أن أنحاء الغرفة تكاد تخنقها.. جميع المنافذ تغلق في وجهها.. لا يريد أحد أن يقف معها.. لا أحد يفهمها.. أمها لا ترحمها.. أخواتها يصفنها بالعقوق.. والدها يصب عليها جم حقده وغضبه.. حينها سكبت دموع القهر والألم والحزن.. ماذا تفعل؟ .. أتنزع الحجاب لترضيهم؟ أتترك الصلاة قرة عينها وسلوتها في وحدتها حتى لا تطلق أمها؟ ماذا تفعل؟ تذكرت لحظتها أن هناك منفذًا لم يسد.. وبابًا لم يغلق.. اتجهت إلى خالقها تناجيه.. وتشكو إليه همومها وما حل بها بسبب تمسكها بدينها.. لقد أصبح ليلها نهارًا .. أصبحت تبكي في كل اللحظات.. فالموعد الذي حدده والدها لقراره الغريب يقترب وفجأة يطرق لها الفرج أبوابه.. لقد جاء اليسر بعد العسر والفرج بعد الشدة.. لقد دق بابهم خاطب لها.. ذو خلق ودين.. وكأن الله أرسله لها لينقذها مما هي عليه.. أما موقف والدها فقد أراد أن يتخلص من ابنته هذه بأي وسيلة؛ فقد كرهها.. كرهها لأنها تقول ربي الله.. فوافق دون تردد على هذا العريس؛ حتى إنه لم يهتم بالمهر أو إقامة زواج لها بل أرسلها بثيابها.. ذهبت إلى بيت الزوجية.. عاشت بعد ذلك مع هذا الرجل الفاضل الصالح تعبد الله وتطيعه؛ فقد كان يعينها على طاعة الله ويحثها على التقوى والصلاح.. أما أهلها فهجروها بعد زواجها ولم يسألوا عنها ولو مرة واحدة..

5- الطبق
لم تستطع إغماض عينيها تلك الليلة .. إنها تتذكر ذلك الحوار الذي دار بينها وبين أبنائها اليوم.
قد يكون كلام خالد صحيحًا
الكل يريد ذلك الطبق إلا أنا ...
أغلب الناس أدخلوه في منازلهم.. أيكون كل هؤلاء على خطأ وأنا على صواب؟!
استغل الشيطان فرصته.. لم تستطع النوم وهي تفكر في إلحاح أبنائها عليها..
قد أكون على خطأ؛ فلو كنت على صواب لأصاب معي جارنا أبو أحمد.. إنه رجل محافظ على صلاة الجماعة، ومع ذلك أدخله ليشاهد الأخبار فقط...
نعم.. سأفعل مثله.. سأرضي أبنائي وسأدخله؛ لكن بشرط أن لا يروا إلا الأخبار والبرامج الدينية.
تنبهتْ من حوارها مع نفسها على صوت المؤذن... الله أكبر.. الله أكبر.. إنه
بداية يوم جديد..
قامت من سريرها.. توضأت وصلت الفجر.. ألقت نظرة من النافذة خيوط الشمس الذهبية تداعب خصلات شعرها الأبيض..
أخذت تتأمل بيوت الحي.. وتمعن النظر في صحون الاستقبال.. وكأنها مرة تراها.. إنها في حيرة من أمرها.. اليوم سيشتري خالد الدش.. آه.. رحمك الله يا أبا خالد... لو كنت حيًا لما حدث كل هذا.. هل كنت سترشى بدخوله المنزل.. لقد حان موعد استيقاظ الأولاد.. خرجت من غرفتها وتوجهت إلى غرفهم..
خرج خالد وهو بكامل أناقته..
خالد.. هل ستذهب إلى الجامعة؟ لا زال الوقت مبكرًا.. أمي.. هل نسيت أن اليوم عطلة؟ أنا ذاهب لشراء الطبق.. إلى اللقاء..
لم تجتمع الأسرة في غرفة واحدة منذ وفاة أبي خالد .. أما اليوم فهم يتسابقون إلى غرفة الجلوس.
الجميع مسرورون.. الأبصار مشدودة إلى ذلك الجهاز.. أما هي فوجهها مكفهر.. إنها كئيبة.. حزينة.. تفكر في حالها وحال أبنائها.
وجَّه خالد الكلام إلى أمه..
أمي.. سبحان الله .. إن هذا الطبق يجعلك تتفكرين في قدرة الخالق.. كيف خلق هذا العقل الذي ابتكر هذا الجهاز؟ إنه ينقل لنا ما في الغرب والشرق ونحن في بيوتنا وأماكننا.
أما هي فقد كانت تفكر في كلام أبي خالد ورفضه الشديد في إدخال مثل هذه الأجهزة إلى بيته ... لم تنس حرصه على تقويم سلوكيات وأخلاق أبنائه.. دائمًا كان يقول: إن هؤلاء الأبناء أمانة عظيمة في أعناقنا.. وسنسأل عنهم يوم القيامة..
يقطع تفكيرها ابنها الصغير سعيد..
أمي.. نحن جائعون..
قالت: سوف أذهب لإحضار العشاء لكم.. توجهت إلى المطبخ.. استغل سعيد الفرصة..
خالد! يجب أن تضع البرامج الدينية كي تقتنع أمي بالدش وتكف عن مراقبتنا..
خالد.. نعم.. إنك محق..
سعاد... أوه.. أرجو أن لا يطول ذلك..
جاءت الأم وهي تحمل الطعام.. تحلق الجميع حول المائدة.. قال سعيد: أمي.. لا حاجة بعد اليوم للأشرطة.. ما عليك إلا أن تفتحي الدش وتري وتسمعي ما تريدين.
قالت الأم: جيد.. ثم استأنفت قائلة: أنا متعبة؛ سوف أذهب لأنام.
لم يستطيعوا إخفاء فرحتهم.. قالت سعاد: نعم يا أمي.. يبدو عليك الإرهاق.. خذي راحتك وسوف أتكفل بكل شئ بعد الانتهاء من الطعام..
تصبحون على خير..
الجميع: تصبحين على خير..
وكالعادة في النهار.. البيت خال.. الكل في المدارس والجامعات.. لا يوجد إلا هي في البيت وأمامها هذا الطبق..
حاولت أن تشغل وقتها؛ ولكن دون جدوى؛ فالوقت طويل.. بدأت تحدثها نفسها لتفتح التلفاز..
لا.. لا.. ولكني أحس بالملل ولا يوجد ما يشغل وقت فراغي..
كلا.. سوف أتصل على أم أحمد.. فمنذ زمن بعيد لم تزرني؛ لعلها تأتي اليوم لزيارتي..
جرس الهاتف يرن في بيت أم أحمد ..
أم أحمد.. أوه.. من يتصل في هذا الوقت..
نعم..
أهلاً.. أم أحمد.. أم خالد تتحدث..
مرحباً.. أم خالد.. كيف حاله؟! ما هي أخبارك؟..
اعذريني يا أم خالد؛ فأنا مشغولة الآن.. أريد أن أتابع مسلسل الصباح.. سأتصل عليك عندما ينتهي.
أم خالد.. حسنًا ولكن ما رقم القناة؟!..
أم أحمد .. مبروك.. هل أدخلتم الدش؟
أم خالد.. نعم .. قبل أسبوع..
أم أحمد.. إنها القناة الرابعة..
أم خالد.. شكراً.. إلى اللقاء..
إلى اللقاء..
فتحت التلفاز على القناة الرابعة.. وأخذت تتابع المسلسل وعندما انتهى أخذت تحرك القنوات.. رائع لم أتصور أن يكون الدش بهذه الصورة..
كم كنت معقدة عندما رفضت إدخاله..
حان موعد مجيء الأولاد..
جرس الباب يرن.. إنها سعاد..
فتحت الأم بسرعة.. ثم توجهت إلى غرفة الجلوس..
تعجبت سعاد وهي تراقب والدتها من بعيد.. لا أصدق ما أرى..
الأم.. سعاد.. تعالي بسرعة.. هناك برنامج مسابقات.. انه ممتع..
وبعد مرور الأيام.. بدأت الأم تستلم .. حاولت أن تجاهد نفسها والشيطان.. لكن الشيطان كان لها بالمرصاد.. إنه يزين لها المعصية.. فما أن تضغط أحد الأزرار.. حتى يخترق مسامعها الكثير من الأغاني الماجنة.. ويمر أمام ناظريها العديد من المشاهد المقززة.. حتى ألفتها وأصبحت شغلها الشاغل.
كان خالد يتابع تصرفات أمه بتعجب.. أحس بغلطته.. كيف استسلمت بهذه السرعة وهي التي كانت توجههم وتنصحهم؟ كانت ترفض الرذيلة وتحاربها.. كان ضميره يؤنبه ولكنه يتجاهل ذلك مقابل متعة نفسه..
مرت فترة من الزمن وهم على هذه الحال.. وفي يوم من الأيام..
تخرج الأم من غرفتها بكامل زينتها.. مكياج.. ملابس ضيقة ومفتوحة.. رائحة العطر الباريسي تفوح في كل مكان.. العباءة مزركشة وقد وضعتها على كتفها.. وهي من عرفت بالستر والحشمة والعفاف..
قالت.. هيا يا خالد.. هيا بنا لقد تأخرت على موعدي.. قال خالد باستغراب.. ولكن إلى أين؟
الأم.. إلى محل الكوافير.. أريد أن أصبغ شعري باللون الأشقر.. فعندي الليلة سهرة..
زاغت عينا سعيد.. وفتحت سعاد فاها.. أما خالد فقد قال..رحمك الله يا أبا خالد.. لو كنت هنا لما حدث كل هذا..

6- البلاء
جلست مع نفسي مرة أسترجع أحداثًا مضت.. ومواقف مؤلمة انقضت.. جال في خاطري صورة تلك البائسة الحزينة.. عجبت من ثباتها وصبرها على الرغم من توالي المحن والبلايا عليها.. كنت عندها ذات يوم.. أتناول القهوة.. وأتجاذب معها أطراف الحديث.. رن جرس الهاتف.. رفعت السماعة.. أدهشتني عندما رأيتها تبكي بعد أن أغلقت سماعة الهاتف.. بادرتها سائلة.. خير إن شاء الله يا أم فهد.. ماذا حدث؟!
أجابتني والحزن يعلو محياها.. أخي..
قلت لها: ماذا به؟
قالت: لقد أغمي عليه وأخذوه إلى المستشفى.. وبعد إجراء عمليات التصوير والأشعة اكتشفوا أنه مصاب بالمرض الخبيث (السرطان) .. ثم سكتت..
رددت .. إنا لله وإنا إليه راجعون.. الحمد لله على كل حال.. حينها ساقتني الذكريات إلى حالها قبل عدة أعوام عندما أصيب خالها بنفس المرض وتوفاه الله.. فقد كانت تعده بمثابة والدها المتوفى منذ زمن بعيد؛ فقد كان يسأل عن أحوالها ويراعي شؤونه..
وما أن أفاقت من هذه الصدمة.. حتى فوجئت بولدها الوحيد.. يصاب بنفس المرض.. مكث ولدها مدة في المستشفى وهو يتعالج ولكن دون جدوى فقرر والده أن يسافر به للخارج اعتقادًا منه أن العلاج هناك أفضل.. كانت تتمنى أن ترافق ابنها وأن تكون بجواره.. لتطمئن عليه وتراعي شؤونه.. فأصبح قلبها معلقًا هناك عند قرة عينها حيث يرقد على السرير الأبيض.. لا تدري ما مصيره.. ولكنها فوضت أمره إلى الله..
بعد شهر من العلاج المتواصل.. أحس الأب بوعكة صحية.. وبعد الفحوصات المكثفة.. اكتشفت الأطباء أنه يحمل نفس المرض (سرطان الدم) .. فكانت الصاعقة.. رجع الأب قافلاًَ إلى بلاده وترك ولده مع خاله..
مكث الأب مدة يسيرة وهو يعاني وطأة هذا المرض.. مرت الأيام على هذه الأسرة .. ثقيلة.. كئيبة.. وفجأة يفارق الزوج هذه الحياة.. لقد تجرعت المآسي والآلام والحرقة.. حرقة على زوجها الراحل.. وحرقة على فلذة كبدها الذي لا تعلم عنه شيئاً.. وحدة..وغربة.. وألم..
شعور غريب ينتابها.. تحس أن ابنها سيلحق بالركب.. لكنها تمني نفسها.. لم تفقد الأمل لعل الله يعوضها في زوجها وخالها خيرًا.
وبعد مرور ستة أشهر من وفاة زوجها يأتيها الخبر من أمريكا.. إنه صوت أخيها.. صوت ضعيف..كئيب.. فلانة.. الحمد لله على كل حال.. لقد استرد الله وديعته.. اصبري واحتسبي.. لقد توفي..
لم تمهله ليكمل كلامه فقد سقطت مغشيًا عليها.. حاولت أن تتمالك نفسها.. أن تتجلد.. أن تصبر.. تذكرت أن المؤمن يبتلى.. والدنيا دار بلاء..
رددت: اللهم إني أحتسبهم جميعًا عندك.. اللهم أجرني في مصيبتي وأخلف لي خيرًا منها.. إنا لله وإنا إليه راجعون.. اللهم اجمعني بهم جميعًا في جنات النعيم..
توقعت أن يحدث لها شئ.. لكنه قلب المؤمن الصابر المسلِّم لقضاء الله وقدره.. والحمد لله الذي ربط على قلبها..
والآن أتخوف عليها.. فحال أخيها لا تبشر بخير.. لقد دعوت الله أن يمن عليه بالشفاء العاجل.. فلم يبق لها أحد من أهلها سواه.. سألت الله أن يبقيه لها ليؤنس وحدتها.. ويزيل وحشة نفسها..
تنبهت من هذه الذكرى المؤلمة على صوت أمي مناديًا..
أسرعت إليها ملبية..
نعم يا أمي..
بنية.. تجهزي.. سنذهب إلى أم فهد..
لماذا يا أمي؟ خيرًا إن شاء الله..
سنعزيها في أخيها؛ فقد توفي بالأمس.
لحظتها سقطت دمعات من مقلتي.. تذكرت قول الرسول : «إن أعظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله تعالى إذا أحب قومًا ابتلاهم؛ فمن رضي فله الرضا ومن سخط فله السخط».
وكما في الحديث القدسي: «وما لعبدي المؤمن عندي جزاء إذا قبضت صفيه من أهل الدنيا ثم احتسبه إلا الجنة». رواه البخاري.

وقفـــة :
المؤمن في هذه الدنيا يبتلى فيرى الله صبره؛ (وإنما الصبر عند الصدمة الأولى) ... المؤمن الحق هو من يعتصم بالصبر إذا دجى الخطب وجل المصاب واستحكمت الأزمات.. فيثبت ويتجلد ويصبر.. إن الإيمان الراسخ في القلب الثابت يتضح في أوقات الشدائد وساعات المحن والضيق.. الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ
وما من شدة إلا ويعقبه فرج... وما من عسر إلا ويلحقه يسر؛ فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا

تصبر إن عقبى الصبر خير
ولا تجزع لنائبة تنوب

فإن اليسر بعد العسر يأتي
وعند الضيق تنكشف الكروب

وكم جزعت نفوس من أمور
أتى من دونها فرج قريب



7- ضحايا الفراغ
إنها في ملل.. في حزن ..في سأم دائم.. لجأت إلى مجلة (...) الماجنة.. قلبت صفحاتها .. قرأتها بشغف.. انتهت منها.. ألقت بها جانبًا .. استنجدت بالأفلام والمسلسلات لكن الملل يزيد في حياتها.. والضيق يكبر في صدرها.. تبحث من جديد.. عن وسيلة للترفيه أو حل لهذا الضيق.. آه.. الأسواق.. ركبت مع السائق.. لجأت إليها لعل الاكتئاب يزول.. ولكن دون فائدة.. ماذا تفعل.. إلى ماذا تلجأ؟؟ لقد سأمت حياتها.. ملت كل شئ.. أوحى إليها الشيطان بفكرة.. توجهت مسرعة إلى جهاز الهاتف.. ضغطت أزراره.. ظهر لها من سيملأ فراغها وينسيها همومها وأحزانها وتبني معه قصورًا من أحلام وردية؛ (كما تتوهم).
تستمر المكالمات الهاتفية ساعات طويلة.. وفي ظلمة الليل أثناء اختفاء الرقيب البشرى.. فوالدها في سباتهم العميق.. وإخوتها كل واحد في غرفته.. فمن يراها؟ .. من يعلم بحالها؟؟ نسيت من لا تنام عينه.. نسيت الرقيب الأعلى.. غفلت عن أن الله سبحانه وتعالى يراقبها ويعلم بحالها.. نسيت قدرة الله في أن يكشف أمرها ويهتك سترها ويفضحها بين الأنام.. لكنها لا تبالي بذلك كله ولا تهتم.. تستمر العلاقة.. بل وتزداد بينهما حتى تصل إلى مقابلات.. كل ذلك والأهل في غفلة.. وهكذا إلى أن انتهى بها الأمر إلى فضيحة.. خزي.. عار.. وما تدري المسكينة أنها قتلت نفسها بنفسها.. ولو أنها اتجهت إلى مولاها كاشف الهم والكرب تدعوه أن يعينها وأن يفرج كربها.. ولو أنها أقبلت على ربها بالطاعة والدعاء والأعمال الصالحة واستغلت وقتها فيما ينفعها وما انساقت لهواها ونفسها الأمارة بالسوء لما حدث كل هذا.

وقفـــة :
يا من سلكت هذا الطريق الوعر ( طريق المعاكسات) والعلاقات الغير شرعية.. الحذر من الاستمرار فيه؛ فإن نهايته مرة؛ نهايته دمار.. خزي وعار..
اعتبري بغيرك ممن وقعن في هذا المنزلق الخطير فما سلمن.. وعليك بمحاسبة نفسك على الدوام.. تفكري في عظمة الله وكيف تستجرئين على مبارزته بالمعاصي بنعمه وفي أرضه؟ ألا تخافين أن يعجل عليك بسخطه وعاقبه؟
تذكري الموت.. وأنه قد يباغتك في أي لحظة.. تذكري الحساب والجنة.. والنار.. ولا تكوني ضحية سهلة للفراغ.. واحرصي على أن تشغلي وقتك بما ينفعك في الدنيا والآخرة.. ابدئي صفحة جديدة مع ربك؛ فإنه غفور حليم تواب رحيم..

8- طريق الشيطان
ذات يوم وفي نهاية شهر رمضان المبارك.. إذ فتاة ممن لعب الشيطان بعقلها.. وانساقت لهواها.. وغفلت عن مراقبة الله لها.. وقد نصحها الكثير.. لكنها تعرض ولا تستجيب.. إذ بها تتصل عليَّ هاتفيًا.. استقبلت مكالمتها .. نعم.. خيرًا إن شاء الله..
سأخبرك يا ( ....) بأمر ولكن بشرط.. لا أريد نصائح ولا توجيهات..
قلت لها: إذا ماذا تريدين؟
أريد أن أخبرك بما يجول في خاطري فقط.
قلت لها برحابة صدر.. هات ما عندك.. كلي آذان صاغية.. في الحقيقة أريد أن أصارحك بشيء .. قد تستغربين من كلامي..
قلت لها: لا عليك.. ماذا عندك؟
سكتت برهة.. ثم قالت: أنا فتاة أحب شخصًا وأثق فيه.. وكل ليلة وبعد صلاة التراويح يحادثني بالهاتف.. كل ذلك والأهل في غفلة عني..
سألتها: كيف تعرفت عليه؟ قالت:
أعجب بي عندما رأى عيناي من خلال النقاب في السوق.. ألقى إلي رقم هاتفه.. أراد أن يرى وجهي.. ولكنني رفضت.. قويت العلاقة بيني وبينه.. أشعر بصدقه وإخلاصه.. لا أستطيع فراقه..
قلت لها: وهل أنت سعيدة بذلك؟
قالت: نعم؛ ولكنني أشعر بشيء من الضيق والحزن والخوف؛ لذا اتصلت عليك.
قلت لها: حسنًا.. أنا لن أوجه نصائح ولا إرشادات.. ولكن أطلب منك شيئًا واحداً؛ وهو أن تقرئي عليَّ سورة الفاتحة الآن..
قالت باستغراب.. سورة الفاتحة..
قلت: نعم.
قالت: الأمر سهل جدًا ..
قرأتها : ليس هكذا.. اقرئيها بخشوع وتدبر.. استشعري بالآيات وأنت تقرئينها..
لم تفهم ما قلت؛ لكنها ابتدأت قائلة: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ
استمهلتها، قلت: تحمدين الله على ماذا؟
قالت: على الصحة والعافية والسعادة وعلى غيرها من النعم الكثيرة..
قلت لها : أمن يمن عليك بهذه النعم الكثيرة يستحق أن يبارز بالمعاصي وفي أرضه وبنعمه؟؟
سكتت ولم تتكلم..
قلت لها : أكملي السورة..
قالت : الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
قلت لها: تطلبين من ربك الرحمة... وتصفينه بأنه رحمن رحيم.. ومن رحمته أنه لم يهتك سترك ولم يفضح أمرك ولم ينزل عليك عقاباً حتى الآن.
واستمرت في القراءة وأنا أسألها عن كل آية تقرؤها..
ثم قلت لها: اذهبي الآن وتوضئي واستحضري الوضوء ثم صلي لله ركعتين وتفكري بما تقرئين.. وتذكري أنك في شهر فضيل وفي أيام لها شأن.. واسألي الله أن يجعلك من عتقائه من النار.. ثم عودي وحادثيني..
أغلقتُ السماعة.. وتوجهت إلى ربي أدعو لها أن يفتح قلبها وأن يصلح بالها.. وينير بصيرتها.. وإذ بجرس الهاتف يرن.. رفعت السماعة.. وإذ بها تلك الفتاة .. سألتها عن حالها.. وبماذا تشعر.. قالت: أشعر بسعادة غريبة وراحة نفسية لم أحس بها من قبل.. أحس أن الله قذف في قلبي الكره والبغض لذلك الرجل الذي كنت أحبه.
قلت: الحمد لله الذي أرشدك للصواب وفتح بصيرتك للحق.. حسنًا يا أختي العزيزة.. هل تقبلين مني الآن نصيحتي؟ قالت.. بكل سرور.. هات ما عندك..
قلت لها: أخية! اعلمي أن هذا الرجل الذي كونت معه هذه العلاقة غير الشرعية ورضي لنفسه بذلك ما هو إلا رجل مخادع ماكر.. وإنه لا يريدك إلا للتسلية فقط.. فاحذري أيتها الغالية أن تذبحي نفسك بسكين المعاكسات فتهدمي بذلك مستقبلك وتهدري كرامتك وكرامة أهلك.. إن هذا الطريق (طريق المعاكسات) أو بالأصح طريق الشيطان.. منحدر.. ونهايته مرة.. وهلاك.. وخزي.. وعار..
أخية! حاسبي نفسك.. وتذكري أن الله يراك ويعلم بحالك وتفكري بالموت وسكرته.. تذكري القبر وظلمة الحساب وشدته.. والجنة ونعيمها.. والنار ولهيبها..
اشغلي وقتك بما ينفعك في دينك وآخرتك.. وإياك أن تعودي لتسالي وحيل الشيطان..

9- أناشده العدل
لم أصدق الشائعات التي كانت تُثار حوله.. كنت أقول لهم: إنكم تريدون أن توقعوا بيني وبين زوجي.. إنها مكيدة.. تريدون أن تُنَغِّصوا عليَّ حياتي.. كنت أسكت ألسنتهم.. أرد عليهم: ما الذي ينقصني حتى يتزوج عليَّ؟ إنني طيبة معه.. متعلمة.. أم أولاده. لم أقصر في حقوقه.. ماذا يريد غير ذلك؟.. هواجس تنتابني أحيانًا.. أكاد أصدق ما يقال عنه.. ولكن سرعان ما تتلاشى تلك الظنون عندما
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://alfnoons.yoo7.com
 
من الحياة
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتديات الفنون :: `·.¸¸.·´´¯`··._.· (الفئة الاولى) `·.¸¸.·´´¯`··._.· :: المنتدى الاسلامى-
انتقل الى: